الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
إن من أعظم المصائب وأشد الرزايا، أن يُنكر المعلوم من الدين، ويرد ما أوجبه وشرعه ربُ العالمين، وتعظم المصيبة إذا كان المنكر لشيء شرعه الله تعالى هو ممن يُشار إليه في العلم بالبنان، وممن حاز في الدنيا على رفيع المناصب وأعلى المراتب وسطر قبل اسمه وبعده أعلى الألقاب، فهنا تعظم الفتنة به وبكلامه ويروج على من لا علم عنده ما ألقاه من قول، لقد حذر العلماء من زلة العالم، وبينوا شدة أثرها وخطرها على دين الناس، قال عمر :«ثلاث يهدمن الدين، زلة العالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون» رواه أبو الجهم: جزء أبي الجهم.
وقال أبو الدرداء: «إن مما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن». رواه الطبراني في الكبير، ومن هنا يظهر الورع في كل كلمة يقولها أو لفظ يتلفظ به، وقال ربيعة شيخ مالك رحمه الله فقال:” الناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم، ما نهوهم عنه انتهوا وما أمروهم به ائتمروا “.
إن ما صدر من فتوى قبل أيام من أحد كبار المنتسبين للعلم كانت صدمة بكل ما تحويه الكلمة من معنى، وإنما عظم الأمر بها لصدورها ممن ينتسب إلى العلم والفقه، والغريب في الأمر أن هذه الفتوى وهذا القول لم يكن مستغرباً ممن صدرت عنه، فقد سبقها فتاوى غريبة وشاذة خالفت إجماع الأمة، الأولى في تحليل الفوائد الربوية المأخوذة من البنوك رغم إجماع المسلمين أنها من الربا الصريح، والثانية عدم إنصافه لأخواتنا في فرنسا على إثر أزمة الحجاب ومنع الحكومة الفرنسية من ارتداء الحجاب وتوقع المسلمون أن يجدوا هذا الشيخ ناصراً لهم ومعيناً فكانت الصدمة أنه قال:” من لا يعجبه قرار الحكومة الفرنسية فليغادر فرنسا “، ثم جاءت الصدمة الثالثة بالفتوى الأخيرة من سخريته بالنقاب، وصدق مالك رحمه الله :” إن من سعادة المرء أن يوفق للصواب والخير، ومن شقوة المرء أن لا يزال يخطئ ” .
ليس للمرء أن يحتج بقول كائن من كان بحجة وجود العلم معه إذا كان يعارض بفتواه نصوص الكتاب والسنة، قال صلى الله عليه وسلم: «تَركْتُ فيكُمْ أَمْرَيْنِ لنْ تَضِلُّوا ما تَمسَّكْتُمْ بهما: كتابَ الله، وسنّة رسولِهِ» . أَخرجه الموطأ.
وليحذر الإنسان من طاعة العلماء في غير ما أراد الله، قيل لحذيفة : {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّه} [التوبة:31]، أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه.
إنما يشرف العالم بين الناس بما كان يجمع بين العلم والخلق، أسعد الله علماً من لم يتحلى بخلق ولا بتواضع، وإذا أداه الأمر أن يستهزأ بخلق الله، وادعاء أنه اعلم أهل زمانه فهذا هو الكبر بعينه، قال: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ». رواه مسلم.
4- النقاب وتغطية المرأة وجهها فرضٌ لازم، وحتم مؤكد كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، وها أنا ذا أذكرها بإيجاز، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب:59]، وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53].
وقال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31].
ومعلوم أن مجمع الزينة وموطنها هو الوجه وهذا معلوم، وقالت أم المؤمنين عائشة: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا ، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ” رواه أبو داود.
وهذا يدل على أنهن كن يعلمن أن المرأة مطلوب منها تغطية وجهها، وهذا في الحج مع أن المرأة مأمورة بالامتناع عن لبس النقاب ولكن لمصلحة سد باب فتنة الرجال بها أمرت بالتغطية بغير النقاب.
نسأل الله الهداية للجميع
((والحمد لله رب العالمين))
كتبهاد. محمد ضاوي العصيمي