• الموقع الرسمي للشيخ د. محمد ضاوي العصيمي
  • أبريل 21, 2026

اللذة المفقودة -2

المزيد

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

لما كان لهذا الموضوع الأهمية القصوى رأيت عدم الاختصار في بسطه وتناوله، وكان الكلام قد توقف في المقالة السابقة أن منازل الناس في الثواب والجزاء متفاوت بحسب الخشوع في هذه الصلاة، قال بعض السلف: ترى الرجلين ففي الصلاة تتلاصق أقدامهما ومناكبهما الأول قلبه في الأرض والآخر معلق قلبه في السماء، لماذا؟ لأنه فقد أمر الخشوع فلم يهتم به ولم يجاهد نفسه عليه.

أما فضل الخشوع فالنصوص في بيان فضله كثيرة فيكفي أن الله حين مدح المؤمنين قدَّم في أول صفاتهم كونهم خاشعين في صلاتهم فقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1-2]. 

وقال الله تعالى في بيان قدر الخشوع: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] وبين ﷺ عظم الخشوع حتى مع قصر الصلاة، فالعبرة ليست في كثرة الركعات بل العبرة في الخشوع في الصلاة «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» أخرجه النسائي.

وفي رواية: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يَسْهُو فِيهِمَا غَفَرَ الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، والحديثان صحيحان، فهاتان الركعتان لما خشع فيها العبد وأحضر قلبه وعقله نال هذه الفضيلة (غفر له ما تقدم من ذنبه) و (وجبت له الجنة).

و الخشوع خشوعان:

(1) خشوع الباطن: والمراد به حضور القلب وسكونه وإقباله على الله تعالى.

(2) خشوع الظاهر (المراد به الطمأنينة) التي هي أحد أركان الصلاة ومدارها على استقرار الأعضاء حتى يأخذ كل عضو قدره من السكون والقرار وهذه الطمأنينة من لم يأت بها لم تصح صلاته ولهذا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَرَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلاَثًا فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا» متفق عليه، الحديث.

ويلاحظ هنا كيف أن النبي ﷺ كرر عليه قوله (تطمئن) مما يشعر بأن الطمأنينة هي ركن الصلاة التي لا تصح الصلاة بدونها ولا تجزئ بغيرها.

إن ما نراه اليوم من سرعة صلاة كثير من الناس وهذه العجلة الشديدة التي شبهها النبي ﷺ بنقر كنقر الديك، فيرى المصلى لا تطمئن أعضاؤه ولا تستقر جوارحه ولا يسكن قلبه، ثم بعد ذلك يشكو من عدم الخشوع في الصلاة وعدم وجود اللذة فيها والجواب كما قال الله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:165].

رأى أبو هريرة رجلا يصلي وهو يعجل في صلاته ولا يقيم ركوعها ولا سجودها فقال له: منذ متى وأنت تصلي هذه الصلاة ؟ قال منذ ثلاثين سنه فقال له : فأنت منذ ثلاثين سنه لم تصل ولو مت مت على غير الفطرة ثم إن أمر الخشوع في الصلاة ليس للمرء فيه خيار يخشع أو لا يخشع، يطمئن أو لا يطمئن، فقد جاءت النصوص الكثيرة في التحذير من ترك الخشوع والتوعد على ذلك قال تعالى : {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}، قال شيخ الإسلام : فيه دليل على مدح الخاشعين المقتضي لذم غير الخاشعين والذم لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم .

ومن السنة قوله ﷺ «خمس صلوَات افترضهن الله عَلَى عباده، فَمن جَاءَ بِهن لم ينتقص مِنْهُنَّ شَيْئا اسْتِخْفَافًا بحقهن فَإِن الله جَاعل لَهُ يَوْم الْقِيَامَة عهدا أَن يدْخلهُ الْجنَّة، وَمن جَاءَ بِهن قد نقص مِنْهُنَّ شَيْئا اسْتِخْفَافًا بحقهن؛ لم يكن لَهُ عِنْد الله عهد، إِن شَاءَ عذبه، وَإِن شَاءَ غفر لَهُ» رواه أبو داود وابن ماجة ومالك في الموطأ.

ومما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة وأهميته العظيمة نعت النبي ﷺ غير المطمئن بنعت قبيح وصفه ذميمة وهي صفة السارق فقال: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِى يَسْرِقُ مِنْ صَلاتِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلاَتِهِ؟ قَالَ: “لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلاَ سُجُودَهَا» رواه أحمد والبزار وغيرهما.

ومن أدلة وجوب الخشوع كذلك أنه إذا كانه هناك مانع يمنع من خشوع المرء في صلاته فله أن يؤخر الصلاة ولو كانت جماعة لأجل تحصيل الخشوع والطمأنينة في الصلاة ولهذا جاءت الأدلة في بيان ما يدل على ذلك: «لا صلاةَ بِحَضْرَةِ طعامٍ وَلاَ وَهُوَ يُدافعُهُ الْأَخْبَثانِ» رواه مسلم، «إِذْ حضر الْعشَاء وأقيمت الصَّلَاة فابدءوا بالعشاء» متفق عليه.

 «لا يصلي أحدكم وهو حاقن» أخرجه أبو داود، كل ذلك لأجل تحصيل الخشوع والحث عليه.

أما كيف نحصل الخشوع في الصلاة فهذا ما سنتكلم عنه في المقالة القادمة بإذن الله تعالى، ولأن حصر ما يتعلق بهذا الموضوع في مقالة واحدة أو مقالتين قد يؤدي إلى الإخلال بالموضوع والتقصير في بيانه.

((والحمد لله رب العالمين))

كتبهاد. محمد ضاوي العصيمي

113
محمد ضاوي العصيمي

النشرة الإخبارية

التصنيفات