الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
إن من أعظم المعوقات وأكثر الأسباب المؤدية إلى الانتكاس والتنكب عن الطريق هو عدم الصبر على هذا الطريق العظيم، فكثير من الناس نراه يوفق لسلوك هذا الطريق ولكن للأسف كثيرٌ منهم أيضاً لا يستمرون ونرى كثيراً منهم وللأسف أيضاً يتساقطون واحداً تلو الآخر، والسبب في هذا أمور منها :-
-أولاً : عدم استشعار هؤلاء لمعرفة هذه النعمة العظيمة وعدم معرفة قدرها وفضلها وأن ثمرتها ونتيجتها هي الجنة والبشارات الكثيرة التي جاءت في قوله تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30].
-ثانياً: من أسباب عدم الاستمرار على طريق الاستقامة ذنوب الخلوات قال ابن القيم:” أصل الانتكاسات ذنوب الخلوات” ولهذا كان من شرار خلق الله من عبد الله في العلن واتقاه في الملأ فإذا خلى بمحارم الله انتهكها ولا شك أن مثل هذا لم يصدق في استقامته وهدايته.
– ثالثاً: عدم الحرص على ما يرسخ ويثبت الاستقامة في قلب المؤمن، فالاستقامة والهداية كالبيت إذا لم يوجد أساسات تحفظه وتقيمه سرعان ما ينهار هذا البيت على رأس أهله، فمن هذه الأسس التي تحفظ الاستقامة، الإيمان، والعمل الصالح، والمحافظة على الواجبات، والحرص على النوافل والمستحبات، وطلب العلم الشرعي والاشتغال به، والحرصُ على الدعوة إلى الله تعالى، وحث الناس على الخير، وترقيق القلب وتليينه بزيارة المقابر وعيادة المرضى وتفقد المساكين والمحتاجين، قال بعض السلف :” إن من فضل الله عليك حاجة الناس إليك”، وحريٌ بمن كان هذا حاله أن يوفق لطريق الاستقامة والهداية، قال تعالى :{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:214].
رابعاً: من أسباب البعد عن الاستقامة، عدم الصبر على الطاعة وسُفْلُ الهمة عند الكثيرين، وإلا بماذا نفسر من كان في رمضان على طاعة وعبادة يتنقل بين الصيام والقيام وتلاوة القرآن والطواف ببيت الله الحرام، وإذا به بنفسه بعد انقضاء رمضان عاد إلى الحرام وركض وراء تحصيل الآثام؟ ممن يتنقل في بلاد المجون ومواطن الفتنة في أحضان الداعرات قد روى ظمأ الصيام ببله بشرب المسكرات والحرام نعوذ بالله من الخذلان، قال بعض السلف:” من علامة رد الحسنة السيئةُ بعدها”.