الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
إن مما عمت به البلوى في بلاد المسلمين منذ زمن طويل حتى صار أمراً مألوفاً مستساغاً (الغناء والموسيقى) حتى أصبحت جزءاً من حياة المسلم لا تنفك عنه سواءً في بيته، أو في مجلسه، أو في عمله وسيارته، بل حتى عند نومه، فبدل أن ينام المسلم على ذكر الله تعالى وقراءة القرآن أصبح لا ينام إلا على أنغام الموسيقى والطرب.
ومن غريب الأمر أنهم سموا الغناء فناً، وأصبح المغنون نجوماً، وأُعِلْيَ شأن الموسيقى وبُهْرِجَ أَمْرُها وافتتن بها أكثر الخلق، فانتدبت وسائل الإعلام في بلاد المسلمين الجيوش الجرارة من الإعلاميين لمتابعة الغناء وأهله وتتبع أخبارهم والركض وراء حفلاتهم، وبما أن الله مَنَّ علينا بأن جعلنا من المسلمين, وحقيقة الإسلام هو الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة.
وجب علينا حينئذ ٍأن نرجع إلى حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في ما يتعلق بحكم الغناء خاصة وسائر الأحكام عامة، وقبل ذلك يجب على المسلم والمسلمة أن يمتثل حكم الله تعالى دون أن يكون في صدره حرج وضيق من التسليم له قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء:65].
وتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم كذلك واجب، قال الشيخ السعدي رحمه الله :” أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر في ما يحصل فيه اختلاف ثم لا يكفى هذا التحكيم حتي ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق ” . أ.هـ.
ولو أردنا أن نتكلم عن أدلة تحريم الغناء والموسيقى لطال بنا المقام لكن حسبي أن أذكر بعض هذه الأدلة من الكتاب والسنة حتى لا يدعي مدعٍ بأنه لا يوجد ما يدل على تحريم الغناء ويحاول صرف دلالات النصوص الدالة على تحريم الغناء ، وتنزيلها في غير موضعها, ومحاولة لي أعناق النصوص إتباعاً للهوى. فأقول: إن أدلة تحريم الغناء بحمد الله بينةً ظاهرة سواءٌ في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو في كلام الأئمة المعتبرين من الصحابة والتابعين والعلماء الربانيين فمن الأدلة من كتاب الله :-
1- قوله تعالى في سورة لقمان: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان:6].
– قال ابن عباس :” نزلت هذه الآية في الغناء وأشباهه “. – وقال ابن مسعود :” والذي لا إله إلا هو إنه الغناء “. – وقال مجاهد :” الطبل “. – وقال الحسن :” نزلت في الغناء والمزامير “.
فتأملوا كيف أطبقت كلمة هؤلاء الأئمة على أن المقصود ( بلهو الحديث) الذي توعد الله أهله بالعذاب المهين أنه الغناء.
2- ومن الأدلة كذلك قوله تعالى في مدح المؤمنين: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان:72]، قال ابن الحنفية :” هو الغناء .
3- وقال تعالى للشيطان:{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسراء:64]، قال مجاهد:” صوت الشيطان هو الغناء “.
**وأما أدلة السنة الدالة على تحريم الغناء فهي كثيرة منها :-
1- قوله صلى الله عليه وسلم: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» رواه أبو داود، وصححه الألباني، ومعنى يستحلون : أي يعدونه حلالاً.
وهذا دليل صريح في التحريم، إذ أن الاصل هو تحريم المعازف التي هي آلة الغناء، كذلك دلالة الاقتران ففي الحديث قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين الخمر والزنا والمعازف.
ومن استحلال المعازف كذلك التفريق بين الأغاني المثيرة وغيرها، وكذلك من استحلالها تسمية بعضها زوراً وبهتاناً بالموسيقى الدينية, ومثلها ما يسمى التواشيح الدينية التي يؤتى فيها بالمعازف وأصوات النساء وكلمات الغلو والإطراء في حق النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر بعض الألفاظ والعبارات التي لا تليق إلا بالله تعالى وتنزيلها على المخلوقين، ويدخل في هذا الغناء ما يسمى بالشيلات والتي لا تخرج عن الموسيقى المحرمة.
2- ومن الأدلة كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ» رواه البزار. والرنة عند المصيبة هي النياحة.
3- ومن الأدلة كذلك قوله صلى الله عليه وسلم «في هذه الأمة خسفٌ ومسْخٌ وقذْفٌ، فقال له رجلٌ من المسلمين: يا رسولَ الله، ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرتِ القِيَانُ والمعازف وشُرِبتِ الخمور» أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني.
في هذا الحديث ذكر عليه الصلاة والسلام علامات, متى ما وجدت فلا يأمن الناس حينئذ من الخسف والمسخ والقذف وهذه العلامات هي ( ظهور المعازف – وكثرة القينات – وشرب الخمر).
* وبعد ما تقدم من ذكر الأدلة نجد أن الغناء لا يخرج عن المسميات التالية ( لهو، استفزاز، زور، مزمار، إضلال عن سبيل الله، هذه أسماؤه.
وصدق ابن القيم :
” أسماؤه دلت على أوصافه *** تباً لذى الأسماء والأوصاف “.
والحمد لله رب العالمين
كتبها
د. محمد ضاوي العصيمي