الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
– من المعلوم أن كل لفظ جاء ذكره في الوحيين (الكتاب والسنة) يدل على معنى بل على معاني عظيمة، ومن الألفاظ الشرعية التي ورد ذكرها في الكتاب والسنه لفظ “الهجرة” فقد تكررت هذه اللفظة كثيراً، وتنوعت أساليب استخدامها مما يدل على تعدد معانيها وكثرة مقاصدها.
فالهجرة في اللغة: بمعنى الترك فتقول هجرت كذا إذا تركته، أما علاقة هذه اللفظة بالمعنى الشرعي فمعلومٌ أن هذه الشريعة في أوامرها ونواهيها قائمة على الفعل والترك أو ما يعبر عنه العلماء بالتخلية والتحلية، فكما أنه جل في علاه أمرنا بأوامر نفعلها ونمتثلها كذلك نهانا عن أمور لابد أن نتركها ونهجرها طاعة له سبحانه وتعالى.
وكذلك ما أمرنا بها رسوله ﷺ يجب امتثال أمره وما نهانا عنه يجب امتثال نهيه، وقد حذر عليه الصلاة والسلام من مغبة التفريق في قبول الأمر الذي في القرآن وبين قبول الأمر الذي جاء في السنه فقال: «يُوشَكُ الرَّجُلُ مُتَّكئًا عَلَى أَريكتِه يُحَدِّثُ بِحديثي فَيَقَوُلُ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، مَا كَان فِيه مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا كَان فيهِ مِنْ حَرامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثْلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» رواه الدارمي وابن ماجة.
– وعند تأمل نصوص الكتاب والسنه نجد أن أفضل الناس تحقيقاً لمفهوم الهجرة هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام متى ما وجد سبب الهجرة ويخطئ بعض الناس حينما يقصر الهجرة على نوع واحد وهو ترك بلاد الكفر إلى بلد الإسلام فهذه هجرة مقصودة بل وواجبة، لكنها ليست كل الهجرة فها هو ابراهيم عليه الصلاة والسلام قال {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:26].
ومما يدل على اتساع مفهوم الهجرة قوله ﷺ «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» أخرجه البخاري، فهذا مهاجر وان كان في بلده وبيته وبين أهله فلا يلزم حينئذ في كل الأحوال هجرة الأبدان.
((والحمد لله رب العالمين))
كتبهاد. محمد ضاوي العصيمي